اللامركزية في تونس

اللامركزية هي أحد استجابات «ثورة الحرية والكرامة» التي جاءت ضد الظلم الاجتماعي والاقتصادي وعدم التوازن بين المناطق والجهات، ويمكن اعتبار اللامركزية مشروع إصالح يهدف إلى تعزيز التقارب بين الخدمات العامة والمواطنين من خالل إنشاء جماعات محلية المركزية تحقيقا للأهداف التالية:

  • تحسين جودة العمل العام من خلال تزويد هذه الجماعات بالمهارات التي تمكنها من إسداء الخدمات المحلية والمشاريع التي تقوم على فهم مفصل الاحتياجات وانتظارات المتساكنين.
  • إضفاء الطابع الديمقراطي على العمل المحلي من خلال منح السكان الحق في الممارسة الديمقراطية التشاركية مع مراقبة القرارات والتصرف في الخدمات والمشاريع التنموية.

وفقًا للفصل 12 من الدستور، فإن الدولة هي المكلفة بقيادة هذا التغيير حيث «تعمل على ضمان العدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات، مع مراعاة المؤشرات التنموية ومبدأ التمييز الإيجابي. كما أنها تضمن االستغالل الرشيد للموارد الوطنية ».

هذا وقد تم رسم المعالم الأساسية والخطوط العريضة للمسار اللامركزي في تونس منذ الأشهر الأولى لسنة 2011 حيث تم الشروع في تقييم الوضع العام للبلديات وتشخيص الواقع المؤسساتي للجماعات المحلية وكذلك القدرات المالية والبشرية المتوفرة والصعوبات الهيكلية والظرفية المعترضة علاوة على الإطار التشريعي والترتيبي المنظم للقطاع،

حيث كانت من أبرز الاستخالصات المسجلة وجود خلط كبير بين اللامركزية واللامحورية وضعف فادح في الموارد المالية والبشرية وبالتالي محدودية الاستقاللية الإدارية والمالية في ظل رقابة مركزية مفرطة وضعف المشاركة وغياب الديمقراطية المحلية. كما برزت محدودية الجدوى والنجاعة في العمل البلدي وضعف الخدمات المسداة من قبل البلديات وهيمنة البيروقراطية الإدارية.

وعلاوة على ذلك، كانت البلديات تشكو من غياب إطار تشريعي ومؤسساتي ملائم لمنظومةالامركزية رغم التطور الذي تم تسجيله في مستوى القانون الأساسي للبلديات لسنة 1975 وكانت التنظيمات الهيكلية
ّ تقليدية ومنمطة غير قادرة على استيعاب ومواكبة تطور الحاجيات والطلبات المجتمعية في اتجاه تقريب الخدمات من المتساكنين والإستجابة لتطلعاتهم خاصة في فترة تميزت بالتوق للحرية واالنتقال الديمقراطي أي إرجاع السلطة إلى الشعب.

وقد عمقت الصعوبات الظرفية التي شهدتها البلاد سنة 2011 ّ هذا الوضع بتعطل الإطار المؤسساتي وتركيز نيابات خصوصية غير متجانسة ومحدودة القدرات وتراجع الموارد الذاتية أساسا بسبب العزوف عن القيام بالواجب الجبائي وتدهور الخدمات البيئية وهو ما آل إلى تراجع أداء المؤسسة البلدية ومزيد التعويل على ّ الدولة وخاصة شعور المواطن بعدم الرضا لتدهور إطاره الحياتي وتقلص منسوب الثقة في المؤسسة البلدية.

ومع المصادقة على الدستور تم إرساء جملة من المبادئ التي جعلت من الباب السابع منه تكريسا لأحد أبرز الإصلاحات التي تم إدخالها على الدولة في ظل الجمهورية الثانية وهي إعادة توزيع الأدوار بين الدولة المركزية والجماعات المحلية التي انتقلت إلى أحد أشكال الحكم المحلي: النظام اللامركزي في إطار وحدة الدولة.

ولعل أبرز خصائص ومقومات السلطة المحلية من خلال الدستور تشمل تكريس التدبير الحر للجماعات الحلية وتخويلها الإستقاللية الإدارية والمالية وتوزيع الصلاحيات على أساس مبدأ التفريع وإخضاع شرعية أعمالها للرقابة اللاحقة مع تعزيز التضامن والتمييز الإيجابي بين الجماعات المحلية وتكريس الديمقراطية المحلية ببعديها التمثيلي والتشاركي علاوة على إعطاء السلطات المحلية دورا رئيسا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتهيئة الترابية.

وتكريسا لهذه المبادئ الدستورية، تم رسم استراتيجية لتنزيل المسار اللامركزي وعرضه على مجلس وزاري خالل شهر جوان 2015 ّ لتبنيه بما مكن من تنفيذ خطة عمل سهلت تعميم النظام البلدي وسن القانون الانتخابي وإجراء الانتخابات البلدية وتركيز المجالس البلدية المنتخبة وإصدار مجلة الجماعات المحلية والشروع في تنزيل أحكامها من خلال النصوص التطبيقية لها.