كلمة ترحيبية لزوار المنصة الافتراضية للإستشارة

اللامركزيّة لها وقع خاصّ عندي، فهي تذكّرني بشعار ثورة الحريّة والكرامة، عندما قال الشعب بصوت واحد: “شغل، حريّة، كرامة وطنيّة”

و قد جاء دستور الجمهورية الثانية ليتجاوب مع هذا الشعار وهذا المطلب الشعبي وليؤكد أهمية السلطة المحلية فخصّص لها بابا كاملا يحتوي على 12 فصلا، ثمّ وفي نفس الاتجاه صدرت في 2017 مجلة الجماعات المحلية متضمنّة 400 فصل بعد مسار تشاوري دام قرابة السنتين.

إن تركيز السلطة المحلية يندرج في إطار ” سعي الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات” كما جاء في الفصل 12 من الدستور و” التزامها بدعم اللامركزية وإعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة” حسب ما أقره الفصل 14 من الدستور.

و في مقابل هذه الأهداف الطموحة، لابدّ أن نقر بأننا لم نعر، خطابا وممارسة، الأهمية المستحقة إلى مسار اللامركزيّة ولم تحظى هذه المنظومة لدى الطبقة السياسية و الرأي العام ووسائل الإعلام بما تستحق من اهتمام في حين أنّ لها انعكاسات مباشرة خاصّة على حياة المواطن اليومية وعموما على الوضع السياسي و الاجتماعي والاقتصادي للجهة وللبلاد.

علينا أن لا ننسى أن .اللامركزية منظومة حوكمة جديدة تندرج في مسار تأسيس “نظام ديمقراطي تشاركي” بشّر به الدستور في توطئته . فالديمقراطية التشاركية تسند للمواطن الكلمة الفصل في بعث أي مشروع، تخطيطا وإنجازا ومراقبة. فالبلديّات هي الخلايا الأساسية لممارسة ديمقراطية القرب.

مرت اليوم ثلاث سنوات منذ أن انتخب التونسيون والتونسيات مجالسا بلدية ومستشارين بلديّين يعرفونهم ويتعايشون معهم في معتمدياتهم وفي أحيائهم.

وقد بينت التجربة أن مسار اللامركزية يعيش صعوبات وعراقيل من أبرزها:

– عدم الاستقرار في المجالس المنتخبة وصعوبة تحقيق الاستقلالية الإدارية والمالية وتنفيذ الرقابة البعدية  وغموض العلاقة مع هياكل الدولة اللامحورية وعرقلة في تنفيذ القرارات الترتيبية، إضافة إلى- التعثر الواضح في استكمال البناء المؤسساتي على غرار المجلس الأعلى للجماعات المحليّة.

الديمقراطيّة ليست انتخابات فحسب، الديمقرايطية منظومة متكاملة وهي ثقافة وممارسة، ولعل من أهمّ آلياتها التقييم والمحاسبة. و اليوم وبعد تجربة السنوات الثلاث الماضية، من حقّنا أن نقيّم المسار، من أجل الكشف على الإشكاليات وكذلك تدارك الإخلالات قبل المرور إلى مرحلة جديدة نضمن فيها  بشكل أفضل شروط النجاح.  و في هذا المعنى تشكل الإستشارة الوطنية فرصة لكلّ المواطنات والمواطنين المعنيّين بشأن اللامركزية للإدلاء برأيهم و تقديم مقترحاتهم..

و لا شك أن المستشارين البلديين سيكونون في الصفوف الأمامية لهذه الاستشارة وهم الذين باشروا السلطة المحلية وعاشوا مشاكلها في تجربة هي الأولى في تاريخ تونس. و تكريسا لذلك وقع الاتفاق على أن تكون الجامعة الوطنية لبلديات تونس شريكا أساسيا في الاستشارة في كل مراحلها.

الاستشارة  مفتوحة للجميع ولا تخضع للتوازنات ولا تتأثر بالتجاذبات السياسيّة

الهدف منها هو تجميع كلّ الملاحظات والمقترحات وإعداد تقرير متكامل يمهد لصياغة القانون التوجيهي لمسار اللامركزية، حسب ما يفرضه الفصل 66 من مجلة الجماعات المحلية

ونظرا لما تكتسيه الاستشارة من أهمية قصوى ولما سيكون لها من انعكاسات ليس أقلها إرساء المنهجية التشاركية ضمن تقاليدنا كلما تعلق الأمر بقضية تهم الشأن العام ومستقبل الأجيال القادمة، فإني أدعو المواطنين، كل المواطنين، متحمسين  كانوا للامركزية أو مترددين في شأنها حتى يشاركوا بكثافة في الاستشارة الوطنية التي ستتواصل خلال الأشهر الثلاث القادمة وستتوّج بتقرير متكامل يأخذ بعين الاعتبار كل الملاحظات والاقتراحات ويمهّد لمشروع القانون التوجيهي الذي ستعرضه الحكومة في نهاية السنة على مجلس نوّاب الشعب.

إن نجاح مسار اللامركزية مرتبط بمدى التملك الجماعي للمسالة حتى تصبح قضية الدولة و قضية المواطن.

شاركوا في الاستشارة الوطنية حول اللامركزية، الأمر يهمّكم ورأيكم يهمّنا !

د. مصطفى بن جعفر، رئيس الهيئة التنظيمية للاستشارة الوطنية حول مسار اللامركزية.